Tuesday, April 28, 2009

الحرب النفسية على غزة وموقف الرأي العام العالمي والعربي منها

الحرب النفسية على غزة
وموقف الرأي العام العالمي والعربي منها





إعداد /
طه على أحمد
الباحث في العلوم السياسية






القاهرة
يناير 2009

الحرب النفسية على غزة
مقدمة
استقبل الفلسطينيون عام 2009 بشكل مختلف عن العالم كله حيث لم تشأ قوات الاحتلال الاسرائيلي أن تودع العام 2008 وتستقبل العام التالي بدون تحريك عجلتها العسكرية، فكان العدوان على غزة الذي لم ينتهي سوى من بضعة أيام. وقد استخدم الجانب الاسرائيلي في تلك الحرب كل ما أوتي من قوة وصوبها ناحية الفلسطينيين بزعم القضاء على خطر المقاومة الفلسطينية المتمثلة في جماعة حماس التي تستأثر بقطاع غزة بعد صراع دموي مرير مع منظمة فتح التي ارتضت بالسيطرة على باقي الاراضي الفلسطينية.
وقد كانت الحرب النفسية أو البعد النفسي في الأحداث أوضح ما يكون في تلك العمليات. وقد تنوعت الإستخدامات الإسرائيلية للحرب النفسية ليس على سكان غزة فحسب ، إنما امتدت لتستهدف كافة الشعوب العربية التي يمكن أن تساند أهل غزة. ومن هنا، تحاول تلك الدراسة الوقوف على الممارسات الاسرائيلية فيما يتعلق بالحانب النفسي أثناء عدوانها على الفلسطينيين. مع الوقوف على أبعاد تلك الممارسات، وكذلك التعرف على مدى نجاحها أو تأثيرها في تحقيق أهدافها التي تأتي في إطار جملة من أهداف الجانب الإسرائيلي في تلك العمليات.
وبناء على ما سبق يمكن تقسيم البحث إلى فصلين:
- الفصل الأول، ويختص بالحرب النفسية وأبعادها على المستوى النظري.
- الجزء الثاني، ويختص بالممارسات الاسرائيلية في تلك الأحداث ومعرفة مدى فعالية تلك الوسائل كما ظهر من نتائج العمليات العسكرية على ارض الواقع.





الفصل الأول
الحرب النفسية : إطار نظري
تعد الحرب النفسية وسيلة مساعدة لتحقيق الاستراتيجية القومية للدولة، وهي تشن في وقت السلم والحرب على السواء، كمل تستخدم فيها كل امكانيات الدولة ومقدراتها، من سياسية واقتصادية وعسكرية، وغير ذلك من القوى التي تتفاعل مع بعضها البعض لتحدد كيان المجتمع وشكله. والواقع ان الحرب النفسية ليها نظرياتها وتطبيقاتها، التي تجد مجالاتها في الميدان حينما تكون على الأسس العلمية التي ترفع من درجة فاعليتها. الأمر الذي يجعل متخذ القرار ي أية عمليات سواء عسكرية أو غير عسكرية، ان يخذ في اعتباره المنهج العلمي الذي تقوم عليه سياسة الدولة.
إن الحرب العسكرية ، والحرب الإقتصادية ، والحرب النفسية ، تشكل معا نوعا من الحرب هو " الحرب الشاملة"، فتتصل تلك الانواع الثلاثة من الحرب مع بعضها البعض، بحيث يكون النجاح العسكري نصرا اقتصاديا إذا كانت نتيجته الاستيلاء على كميات كبيرة من موارد العدو أو سد طرق الامداد الهامة له ، وقد يكون كسبا سيكولوجيا إذا استطاع أن يخفض من معنويات العد أو يجعل جنوده يتوقعون الهزيمة، أو يهيئ شعب العدو للاستسلام والخضوع. وقد يتحول النجاح الاقتصادي إلى خزيمة عسكرية للعدو إذا امكن أن يحرم من الامدادات الضرورية ، وقد يكون من الممكن أن يصير هذا نصرا سيكولوجيا إذا اضعف من معنويات العدو وجعله مستعدا للخضوع. ومن جهة أخر فلا فائدة من الانتصار العسكري إذا أدى إلى هزيمة سيكولوجية ، فاليابانيون مثلا أنزلو بالاسطول الامريكي عند الهجوم المفاجئ على بيرل هاربور الكثير من الخسائر، ولكن الحصيلة النهائية للهجوم كانت خسارة اليابانيين، لأن هذا الهجوم وحد صفوف الامريكيين وتناسى الناس الخلافات، والفرقة، والانقسام بين صفوفهم، تجمعوا للعمل من أجل غرض احد هو سحق اليابان.

والحرب النفسية هي أحدث أسلحة الحرب توجه ضد : الفكر، والعقيدة، والشجاعة، والثقة، وضد الرغبة في القتال، وهي حرب دفاعية هجومية وذلك لأنها تحاول أن تبني معنويات الشعب والجنود، بينما تحطم في الوقت نفسه معنويات العدو. مما يسه على القوات السكرية تتنفيذ مخططاتها ، وبذلك يمكن بسهوله اقتياد قوات العدو بنجاح وذلك بعد أن تتحطم معنوياتهم.
والحرب النفسية جزء من الحرب الشاملة تشن قبل الحرب وفي أثنائها، وفي أعقابها، ومن ثم فإنها لا تخضع لرقابة القانون ولا لعادات الحرب و لا تعرف على أساس وصف الأرض أو نظام المعركة ، أو تبعا لمعارك لها أسماء فهي غير مستمرة، وغالبا ما يظهر نجاحها أو فشلها، بعد شهور بل ربما بعد سنوات من تنفيذها.ومع هذا فإن النجاح يكون ساحقا برغم صعوبة تقديرها كميا، كما أ، الفشل قد يكون قاتلا وإن كان غير ملموس، ولكن يمكن الكشف عنه وإدراكه.

تعريف الحرب النفسية :
يعد وضع تعريف للحرب النفسية أمرا ليس باليسير ، نتيجة أن مجال نشاطها غير متفق على حدوده، وحتى بين الهيئات المختلفة داخل دولة واحدة، فإ، مفهوم الحرب النفسية يختلف وتفسره كل هيئة بشطل متغاير.
ويعرف البعض الحر بالنفسية بأنها استخدام اي وسيلة بقصد التأثير على الروح المعنوية، وعلى سلوك أي جماعة لغرض عسكري معين. وهو ما كانت القوات العسكرية الأمريكية تجمع عليه أثناء الحرب العالمية الثانية. كما قامت مدرسة الجيش البري العامة بإصدار كتاب يعرف مفهوم الحر بالنفسية كما يلي: " تتضمن الحرب النفسية استخدام لدعاية ضد عدو مع استخدام عمليات عسكرية أو إجراءات أخرى تدعو الحاجة إليها لتكمل مثل هذه الدعاية". ثم أصدر الجيش الامريكي معجما جديدا يتضمن المصطلحات الحربية، وقد عرف المعجم الحرب النفسية تعريفا مختلفا على أنها " استخدام مخطط من جانب الدولة في وقت الجرب ، أو في وقت الطوارئ لاجراءات دعائية بقصد التأثير على آراء وعواطف ومواقف وسلوك جماعة أجنبية عدائية أو محايدة أو صديقة بطريقة تعين على تحقيق سياسة الدولة وأهدافها". [1]

وبعد ذلك أصدرت وزارة الحرب الامريكية طبعة جديدة للمعجم ظهرت فيها تتغيرات هامة على هذا التعريف: " الحرب النفسية هي استخدام مخطط من جانب دولة أو مجموعة من الدول للدعاية وغيرها من الإجراءات الإعلامية الموجهة إلى جماعة عدائية، أو محايدة، أو صديقة للتأثير على آرائها وعواطفها ومواقفها وسلوكها بطريقة تعين على تحقيق سياسة وأهداف الدولة المستخدمة أو الدول المستخدمة".
ومن بين التغييرات التي طرأت على التعريف الأول لتظهر في التعريف الثاني نجد استبعاد الكلمات " في وقت الحرب أو في وقت الطوارئ" وبذلك يتسع نطاق المفهوم وهو ما يشير إلى استمرار حالة الحرب النفسية طوال الوقت سواء كان في وقت الحرب أو وقت السلم.
وعمليات الحرب النفسية قد تكون قصيرة المدى وتكون بعيدة المدى .وأنواع نشاطها القصير يشمل :[2]
1- الدعاية الاستراتيجية.
2- دعاية القتال.
3- نششر الأخبار.
4- خداع العدو بطريقة منظمة محكمة.
5- دعاية سرية.
وتتضمن الحرب النفسية بعيدة المدى نشر الأنباء بطريقة مستمرة وبوسائل شتى بغرض مساعدة السياسة الخارجية للدولة ورفع سمعتها، والحصول على العطف والتأييد.
و تستند الحرب النفسية في كافة ابعادها على علم النفس في كثير من جزاؤه من أجل تدعيم جهود العمليات السياسية أو الإقتصادية أو العسكرية. ويمكن القول بأن الحرب النفسية تعني إستخدام وسائل التخاطب الحديث بغرض الوصول الى الجماهير المستهدفة لكي يتم إقناعهم بقبول معتقدات و أفكار معينة. وتهدف الحرب النفسية إلى تقوية الروح المعنوية لأفراد الأمة، و تحطيم الروح المعنوية للعدو.
ومن أشهر الأمثلة التاريخية في الحرب النفسية هي فتوحات جنكيز خان، فالسائد أن جنكيز خان قد أستخدم أعدادا هائلة من المقاتلين واجتاح بهم أغلب مناطق العالم، إلا أن الدراسات الحديثة أثبتت أن أراضي وسط اسيا لا يمكن ان تعيل أعدادا كبيره من السكان في ذلك الوقت الذين بإمكانهم غلبة سكان المناطق المجاورة المكتظة بالسكان، فإمبراطورية المغول بنيت بأبداع عسكري ليس إلا، بأستخدام قوات مدربة سريعة الحركة واستخدام العملاء و الجواسيس مع الاستخدام الصحيح للدعاية، فقد أشاع المغول أن أعدادهم خرافية و أن طباعهم شرسة وقاسية بغرض إخافة أعدائهم وخفض معنوياتهم ومن الرجوع للتاريخ لايمكنا معرفة من هو أول من عرف التعذيب النفسي ولكن يمكن القول أنه ظهر بصورة مشتته لا يصلح أن نطلق عليها أنها طريقة سائدة من طرق الحروب البشرية ومثال لذلك غزوات التتار فنجد أنهم لم يقوموا بهذه الأمور الوحشية في البلاد التي استولوا عليها لمجرد القتل والسلب والنهب والحرق وخاصة أنهم ليست بينهم عداوة سابقة ولكنها رغبة في رهيب باقي الأمم.
أهداف الحرب النفسية: - بث اليأس، و الإستسلام في نفوس العدو تضخيم أخطاء العدو و ذلك لإحداث نوع من فقد الثقة بين الشعب و قيادته.
- إضعاف الجبهة الداخلية للعدو، و إحداث الثغرات بها، و تشكيك الجماهير في قدرة قيادتها السياسية، و التشكيك بالقوة المسلحة.- العمل على تفتيت الوحدة بين الأفراد و القوات المسلحة حتى لا يثقوا ببعضهم.ثانياً- أنواع الحرب النفسية
تنقسم الحرب النفسية إلى نوعين ، الحرب النفسية الاستراتيجية ، والحرب النفسية التكتيكية، وفيما يمكن الإشارة إلى كل منهما تفصيلا.أولا: الحرب النفسية الإستراتيجية:
تصمم لتحقيق أهداف عامة شاملة بعيدة المدى، و تتسق مع الخطط الإستراتيجية العامة للحرب، و هي تتميز بالشمول و الإمتداد من حيث الزمان و المكان، و قد تستغرق وقتاً طويلا، عشرات السنين أو حتى مئات السنين، كما أن بُعدها المكاني قد يشمل المناطق المجاورة للهدف و أحياناً القارة كلها أو حتى الكرة الأرضية و ذلك حى يتحقق الهدف، ثم تستمر بعد النصر لكي يتم تثبيت دعائمه.
أهداف الحرب النفسية الإستراتيجية :
يمكن تحديد أهداف الحرب النفسية الإستراتيجية في النقاط التالية:[3]* تثبيت خطط الدولة السياسية الخاصة بالحروب و شرح أهدافها و أغراضها* تأكيد العقوبات الإقتصادية التي تفرضها الدولة على العدو.* خفض الروح المعنوية بين العدو و أفراده.* بث روح الكراهية داخل دولة العدو و بخاصة العناصر المضطهدة.* إطهار التأييد الأدبي للعناصر الصديقة في اقليم العدو.* تقديم المعاونة اللازمة لعمليات الدعاية التكتيكية.
- الظروف التي تسهل نجاح الحرب النفسية الإستراتيجية:
وحتى يكتب للحرب النفسية الاستراتيجية النجاح فإنه من الضروري أن تتوافر لها الظروف التالية:*الهزائم العسكرية التي يعانيها العدو.* النقص في الحاجات الأساسية ، و المعدات الحربية للعدو.* التضخيم النقدي الخطير لدى العدو.* التعب، و إفتقار الثقة في القادة.* نقص المواد الخام للازمة لاقتصاديات العدو.* مظالم الحكم و عدم العدالة في ادارة دولة العدو.القيود على الحرب النفسية الاستراتيجية من الصعب تقدير نتائج عمليات هذه الحرب لأنها طويلة الأمد، و قد يتعذر لمس النتائج لعدم توفر المعلومات الكافية في معظم الظروف.كما قد تقابل هذه الإجراءات، إجراءات أخرى مضادة في أرض العدو ، إذ أن العدو قد يلجأ إلى فرض عقوبات على أفراده العسكرين أو المدنيين في حال استمعوا على وسائل اعلام الخصم. مثل اعتماد اسرائيل في حربها على العرب و خاصة الفلسطنيين الحرب النفسية الاستراتيجة التي ما زالت منذ عشرات السنين.
ثانيا: الحرب النفسية التكتيكية
هي حرب الصدام المباشر مع العدو و الإلتحام به وجهاً لوجه سواء بالحرب السياسية أو الإقتصادية أو المعنوية أو العسكرية ، و يستخدم في ذلك منشورات توزع بواسطة المدفعية و الطيران و مكبرات الصوت و الإذاعة اللاسلكية و الصحف و الكتيبات و المجلات التي تلقى من الطائرات.[4]

أهداف الحرب النفسية التكتيكية
تثبيط معنويات العدو و كفاءته القتالية.
تسهيل احتلال مدن العدو عن طريق توزيع الإنذارات
معاونة الحرب النفسية الإستراتيجية بالحصول على معلومات أدق حول نقاط ضعف العدو
تقديم المعلومات و التوجيهات اللازمة للعناصر الصديقة التي تعمل داخل منطقة العدو
حث العدو على أن ينظر الى أسباب الحرب بنفس النظرة التي ينظرها الى أسباب حربه، و بذلك يضعف الحماس في قتاله
الظروف المساعدة في نجاح الحرب التكتيكية:
الهزائم المتكررة للعدو، و الخسائر الفادحة التي يُصاب بها.
موقف العدو العسكري المزعزع.
وبعد هذا العرض النظري المختصر للحرب النفسية يمكننا أن نعرج نحو الرؤية العملية لما جاء على أرض الواقع من خلال الأحداث ، كما ظهر أثناء الحرب الاسرائيلية على غزة. وذلك من خلال النظر إلى الممارسات التي قامت بها القوات الاسرائيلية، مع تحليل للخطاب الإعلامي السرائيلي سواء كان على المستوى الرسمي أو غير الرسمي.







الفصل الثاني
الحرب النفسية على غزة
مارست اسرائيل الحرب النفسية على سكان غزة بكافة اشكالها، حيث ذلك النوع من الحرب هو أحد أهم الحروب التي اعتاد الاسرائليون على استخدها منذ شرعو في انشاء وطن لاستيعاب القومية اليهودية، أو ما اصطلح عليه بـ " أرض الميعاد"
التشهير والدعاية في تاريخ الدولة اليهودية:
التشهير والدعاية كانا من أهم الآليات والأدوات التي استعملتها الحركة الصهيونية ثم دولة إسرائيل لاحقا، من أجل تحقيق أهدافها ومواجهة المعركة القائمة بين إسرائيل والعالم العربي، وخاصة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج. ومن أهم الصياغات التي كان لها دور مهم جدا في تهيئة الرأي العام العالمي من خلال الإعلام الصهيوني آنذاك، تأطير القضية اليهودية بشكل يدعم نجاحها. وتمثل ذلك في الترويج لمقولة الفيلسوف الصهيوني "يسرائيل زنجفيل" القائلة بأن فلسطين "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".
والجدير بالذكر أن إسرائيل والكيان الصهيوني لايمتلك وزارة إعلام ورغم أن دولة إسرائيل هي الوحيدة في العالم التي تعتبر نفسها دولة ديمقراطية رسميا، فإنه يوجد فيها جهاز رقابة من قبل الجيش يعمل على مدار الساعة من خلال القانون لمراقبة جميع المنشورات والتصريحات المطبوعة وحتى التصريحات العسكرية. وقد جاءت اتفاقية مبرمة بين محرري الصحف اليومية وممثلي الجيش تم الاتفاق عليها يوم 20 مايو/أيار 1949 حيث قررت لجنة المحررين الأمنية إلزام الصحف بما يلي:[5]
- منع نشر معلومات أمنية قد تساعد العدو أو تضر بالدولة. - الرقابة لا تشمل المعلومات السياسية أو الآراء أو التوقيعات إلا إذا كانت تمس بالأمن أو مستقبله.
- الرقابة مبنية على التعاون بين الجيش والصحافة.
- دائرة الرقابة تعد مسبقا قائمة بالمواد الممنوع نشرها.
وهنا يبغي الإشارة إلى استخدام الجيش الإسرائيلي للرقابة على وسائل الإعلام والدعاية خاصة حرب لبنان عام 2006م وحربه على قطاع غزة 27/12/2008م . فإسرائيل رقابة صارمة تحد أو تؤخر نشر معلومات مرتبطة بمقتل جنودها أو عملياتها العسكرية الجارية، كما كان الامر في حرب لبنان عندما انقضت حزب الله الشيعية بقيادة حسن نصر الله بالصواريخ على شمال البلدات الاسرائيليه وكبدتها خسائر كبيرة . ناطقا باسم الجيش يقول إن هذه الإجراءات "اقرب من المنطق منها إلى الرقابة بحد ذاتها".
ومن الأمثلة على ذلك "يمنع منعا باتا" ذكر الأهداف العسكرية خلال العمليات الجارية ونشر معلومات حول طبيعة القوات المنتشرة وتحركات الجنود أو القول بالتحديد أين وقعت الصواريخ التي تطلقها المقاومة الفلسطينية على البلدات الاسرائيليه ،ويقول عسكريون إن هذه القيود تهدف إلى المقاومة الفلسطينية من تحديد أهدافه. ويمنع كذلك نشر معلومات حول مقتل جنود طالما لم تعط الرقابة الضوء الأخضر إذ أن الجيش يتمسك بإبلاغ العائلات قبل إصدار النبأ. لكن الجيش الإسرائيلي وكيانه تفاجأ عند سقوط صواريخ المقاومة إلى مناطق وبلدات بعيده إلى الأقرب من الخيال التي قيست بعداً إلى 45 كم عن الحدود مع قطاع غزة، والتي جعلت الصحافة الاسرائيليه تكسر هذه الرقابة وتستخدمه كسبق صحفي مدعمه بالصور، وتمنع الرقابة كذلك نشر معلومات مرتبطة بالترسانة النووية الإسرائيلية على ما تفيد مصادر أجنبية. وبالنسبة للحرب الدعائية على قطاع غزة والتي جسدها الاحتلال بالمنشورات التي تهدد أهل القطاع بالقصف والقتل في حالة عدم إفادتها بالمعلومات عن أماكن أسلحة المقاومة وأنفاق التهريب واختراق الإذاعات الفلسطينية وبث الرسائل التي تأتي بإطار الحرب النفسية ، وصوت انفجار القنابل الذي يرعب المواطنين.
لقد لعب ظهر الإعلام في الفترة الأخير على أنه الحصان الأسود في الصراع العربي الاسرائيلي وخاصة اثناء الحرب على لبنان والتي استطاع حزب الله خلالها بناء أعظم طرق الحرب الإعلامية والتي جاءت باختراق جميع وسائل الاتصالات ووسائل الإعلام الصهيونية وإدارة الحرب الإعلامية بجدارة.
إن من يقف على طبيعة الحرب الإعلامية التي تخوضها قوات الاحتلال جنبا إلى جنب مع الحرب التي تجريها على الأرض تلوح له في الأفق ملامح "جماعات الإسناد" من مثقفين وكتاب إسرائيليين، وظيفتهم الأساسية هي التبرير للكثير من الأفعال التي ينفذها الجيش من خلال كلماتهم المتناثرة عبر الصحف أو شاشات التلفزيون. بل يلجأ العديد من هؤلاء النخب المختارة والمحللين التابعين لهذه الوسائل إلى الترويج لـ"الحقيقة" كما يرونها في خدمة مصلحة "الأمن الوطني"، حتى إن أعمدة الصحف خلال فترات الحرب تعج بالتحليلات التبريرية التي تبتعد عن الحقيقة.
وإلى جانب الدور التبريري الذي تقوم به وسائل إعلام الاحتلال، يأتي الدور الآخر وهو الدور التضليلي، بحيث تعمد إلى طرح بعض القضايا وفق رؤى تتبع السياسة العامة، الهدف الأساسي منها هو التضليل. وهذا ما اعتمد عليه الاحتلال في بدء أول ضرباته للقطاع، فقد ركزت كافة المؤسسات الإعلامية على الحديث عن تهديدات مستقبلية، بينما باغتت الطائرات بصواريخها العديد من الأهداف في القطاع. بعد استعراض أبرز ملامح إعلام الاحتلال أثناء خوضه للحروب
ويمكن القول إنه بات من الضروري جدا الوقوف على الكلمات أو العبارات التي يسطرها الجانب الإسرائيلي عبر وسائل إعلامه، لكن في الوقت نفسه يجب أن يكون ذلك ضمن محاذير عدة:[6]
أولا: الرصد والمتابعة: تشكل المتابعة الأولية والدقيقة لكل ما ينشر في وسائل إعلام الاحتلال عن مجريات الواقع مخزونا كبيرا من المعرفة، وهو ما يساعد على تحليل ذات العدو، والتعرف على أهدافه وتفكيره، وكيفية الرد عليه.
ثانيا: التشكيك: هناك قاعدة أساسية يتوجب التعامل معها في متابعة الإعلام الإسرائيلي، وهي أنه ليس كل ما ينشره حقيقة، فلابد من التشكيك في كل جزئية منه.
ثالثا: الحقائق: نشر الحقيقة دائما والتواصل مع المواطنين، أحد الأسلحة التي يمكن فيها مواجهة الإشاعة والحرب النفسية التي قد يحاول الاحتلال من خلالها التسلل إلى نفوس المواطنين، وهذا يكون من خلال عرض الحقائق للمواطن دون التقليل أو التهويل.
رابعا: التوازن: الخطاب العاطفي وحده يزول بزوال السبب، والخطاب العقلاني وحده يجعل الجماهير تعيش في جمود من شأنه أن ينفرها.
وهنا لابد من أن يتم تشكيل إعلام ذاتي داخلي يوازن في طرحة للواقع الذي يعيشه المواطن، بحيث يكون مزيجا ما بين العاطفة والخطاب العقلي المستندين إلى حقائق على الأرض.
إذا إن صح تعبيري لم تعد إسرائيل كما تدعي كيان ديمقراطيا وحربه الإعلامية باتت مكشوفة فإعلام المقاومة الحق قد سحق إعلامها ودعايتها النفسية وكشفت مدى زورها بنشر أخبارها حتى لدى شعبها اليهودي.








تحليل السلوك الإسرائيلي أثناء الحرب على غزة

لقد ركز الجانب الإسرائيلي ، في حربه على غزة، على العديد من الوسائل التي يهدف من ورائها إلى إحداث أعظم الأثر النفسي على الفلسطينيين.
إسلوب القتال:
من بين الوسائل التي تستعملها القوات الاسرائيلية في تلك العمليات هو اسلوب القتال الذي يعتمد على كثافة الضرب من أجل إدخال أكبر قدر من الرعب في نفوس الفلسطينيين ، وإجبارهم على الاستسلام خوفا من هو الضربات، وهو ما يتضح من سير العمليات في بدايتها، ومن كثافة الضرب الجوي، وكذلك من كم ومدى الصواريخ التي كانت تلقي بها القوات الاسرائيلي على مناطق محددة يعرف عنها بأنها غير عسكرية، وهو ما برر من خلال الضرب الكثيف على المدارس التابعة للأونروا في غزة بزعم أنها تستخدم كملاجئ يحتمي بها افراد المقاومة.
لقد حاولت اسرائيل تفتيت العواطف والمشاعرالقوية لدى الأهالي المحاصرين في غزة لتضعفهم وتلغي بقاءهم . فاستعملت القنابل من السماء والمدافع من الأرض بالإضافة لسلاح الجوع وإقفال المعابر وتقوم بإسقاط المناشير الموجهة للناس مباشرة لإخافتهم وإجبارهم على إخلاء غزة. بالإضافة إلى ذلك فقد روعت القرى المجاورة لدير ياسين حيث استعملت مكبر الصوت وطافت به في القرى التي تجولت فيها والصوت الاسود يقول :"...أخرجوا بطريق أريحا فهو لا يزال مفتوحا أمامكم ، فلو بقيتم فستنزل الكارثة على أنفسكم ." وقد كان الهدف من ذلك الصهيونية هو تخويف وترويع اهل غزة. وهو ما تكرر من قبل عام 1948 وهو عام النكبة . واليوم فإن اسرائيل تستعمل القتل والموت والخويف وزعزعة الثقة بين الأهالي والمقاومين.



لقد تغيرت وسائل الدعاية والاعلام اليوم ولم تقتصر على الراديو والصوت أو الجريدة كما كان في الماضي ، فأصبح هناك وسائل اتصالات متطورة من تلفاز وفضائيات وموبايلات وانترنت وأكثر التي توصل الواقع والحقائق للعالم أجمع وبكل اللغات . وثبت أن التاثير الأقوى على الرأي يأتي من الواقع من أخبار صادقة وموثوقة ، ومن الصور التي تساوي آلاف الكلمات ومن المشاعر والتفاعل مع الحدث ومع الإيمان بحق الشعب الفلسطيني في أرضه وحقة المشروع بمقاومة العدو بكل الاساليب الممكنة.[7]

الأسلحة المحرمة دوليا:
عمدت القوات الإسرائيلية إلى استخدام الأسلحة المحرمة دوليا في حربها ضد الفلسطينيين، وقد كان الدافع الاساسي وراء استخدام تلك الأسلحة هو التأثير على السكان الفلسطينيينن، ليس في القطاع فحسب، وإنما في الضفة أيضا. وبينما تعتبر بيانات التحذير والاتصالات الهاتفية بالمواطنين الفلسطينيين أساليب قديمة للاحتلال، لوحظ التعتيم الإعلامي على ما يجري في الميدان وساحات المعارك من جانب الاحتلال في عدوانها الحالي. إلا أن الفلسطينيين قد تغلبوا على معظم أدوات الحرب النفسية التقليدية والجديدة، فظهر الأطفال على شاشات التلفزة يحرقون بيانات إسرائيلية تطلب منهم مغادرة منازلهم.[8]



الخطاب الإعلامي الإسرائيلي أثناء الحرب على غزة
تركز الإعلام الإسرائيلي الرسمي وشبه الرسمي على وصف الحرب على قطاع غزة، فقد وصفها بأنها حرب بين الجانب الإسرائيلي وحركة حماس حصراً. وقد مارس الإعلام الاسرائيلي حملة دعائية مركزة، تستهدف تصوير ما يجري على أنه مجرد مواجهة مع حركة حماس بعد نفاد صبر الإسرائيليين على الصواريخ الفلسطينية. فقد ورد بشكل كثيف تعبيرات منها مسلحو حماس، مخرِّبو حماس، مليشيا حماس الإرهابية، أو عناصر حماس. كما جاءت صياغات من قبيل السعي إلى تغيير قواعد اللعبة مع حماس، وأنّ الجانب الإسرائيلي يتطلع لتعقب ناشطي حماس وقادتها الذين يقفون وراء إطلاق الصواريخ. وقد تعمدت الدعاية الاسرائيلية تجاهل الاشارة إلى جناح حماس العسكري الذي يحمل اسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، والذي يعد أكبر الأذرع المسلح للفصائل الفلسطينية وله بنية وأليات عمل مستقلة.فالإضافة لذلك فقد تجاهلت الاشارة إلى الفصائل الفلسطينية المتنوعة أو أذراعها العسكرية فلم يكن هناك أية إشارة تذكر إلى تُذكر إلى سرايا القدس التابعة للجهاد الإسلامي، أو ألوية الناصر صلاح الدين التابعة للجان المقاومة الشعبية، أو كتائب أبو علي مصطفى التابعة للجبهة الشعبية، أو كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح، أو كتائب المقاومة الوطنية التابعة للجبهة الديمقراطية، أو غيرها من الأذرع العاملة في الميدان.
لقد استخدم الجانب الاسرائلي الاعلام بشكل يخدم اهدافه العسكرية. وكان من الضروي بالنسبة للجانب الاسرائيلي تهيئة المناح الجماهيري الذي ستقوم فيه الاحداث، ومن هنا فقد ركز الاعلام الاسرائيلي الرسمي وشبه الرسمي على وصف الحرب على قطاع غزة، بأنها حرب بين الجانب الإسرائيلي وحركة حماس حصرا، وذلك بعد نفاد صبر الإسرائيليين على الصواريخ الفلسطينية. فقد ورد بشكل كثيف تعبيرات منها مسلحو حماس، مخرِّبو حماس، مليشيا حماس الإرهابية، أو عناصر حماس. كما جاءت صياغات من قبيل السعي إلى تغيير قواعد اللعبة مع حماس، وأنّ الجانب الإسرائيلي يتطلع لتعقب ناشطي حماس وقادتها الذين يقفون وراء إطلاق الصواريخ. وقد تعمدت الدعاية الاسرائيلية تجاهل الاشارة إلى جناح حماس العسكري الذي يحمل اسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، والذي يعد أكبر الأذرع المسلح للفصائل الفلسطينية وله بنية وأليات عمل مستقلة. وبالإضافة لذلك، فقد تجاهلت الإشارة إلى الفصائل الفلسطينية المتنوعة أو أذراعها العسكرية فلم يكن هناك أية إشارة تذكر إلى سرايا القدس التابعة للجهاد الإسلامي، أو ألوية الناصر صلاح الدين التابعة للجان المقاومة الشعبية، أو كتائب أبو علي مصطفى التابعة للجبهة الشعبية، أو كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح، أو كتائب المقاومة الوطنية التابعة للجبهة الديمقراطية، أو غيرها من الأذرع العاملة في الميدان.
وقد انتهجت الدعاية الاعلامية الاسرائيلية ذلك النهج متوجهة بقصد محاولة تصوير حركة حماس بكافة أقسامها ومجالات حضورها ونشاطها وأجنحتها المتخصصة على أنها حالة أحادية متجانسة. وهو ما يشير إلى أنه حينما يتعلق الأمر بحماس، فإنه يتساوى السياسي مع العسكري، وكذلك مع الاجتماعي، ومع الإنساني والأكاديمي والإعلامي أيضاً. وبهذا تدفع الآلة الإسرائيلية الدعائية باتجاه تبرير الاستهداف الشامل لكل البنى والهياكل والمؤسسات والأشخاص في قطاع غزة، حتى في المجالات ذات الحصانة الشديدة؛ كالجامعات والمدارس غير التابعة للأمم المتحدة، علاوة على قصف مدارس الأونروا مع ترويج روايات مختلقة تبرر بشكل ما ممارساتها بظعم أن حماس تستغل تلك الجهات للتستر وراءها في اعمالها.
وقد كان من أبرز ما ركزت عليه الحملة الدعائية الإسرائيلية هو محاولة إيجاد حواجز شعورية بين حركة حماس والشارع الفلسطيني، باعتبار أنّ الحرب لا تستهدف الفلسطينيين في قطاع غزة، وفق الدعاية الإسرائيلية، بل ويذهب التوجّه إلى محاولات "التأليب" ضد حماس، بما يتوافق مع مضامين المنشورات التي ألقاها الطيران الحربي الإسرائيلي على رؤوس الفلسطينيين في القطاع، ثلاث مرّات على الأقل خلال الأيام. وقد كانت تلك المنشورات تؤكد سالة مركزية؛ مفادها أنّ جيش الدفاع الإسرائيلي لا يستهدفكم أيها الفلسطينيون، بل يستهدف حماس التي تطلق الصواريخ على إسرائيل. وتذهب هذه المنشورات إلى محاولة تحذير الفلسطينيين من حركة حماس التي ستجلب الدمار لكم، في محاولة لضرب الروح المعنوية التي تبدو رغم ذلك عالية ومتماسكة، ومحتضنة للمقاوَمة ومحتسبة للضحايا شهداء على طريق فلسطينية طويلة. كما يهدف ذلك لتوجيه السخط إلى العنوان الفلسطيني الداخلي؛ بدلاً من العنوان الإسرائيلي.[9]
وقد ظل التعتيم الإعلامي دائما هو أحد أهم مرتكزات الحرب النفسية التي يستخدمها الإسرائيليون في كافة مواجهاتهم مع العرب فقد ركزت على الإنفراد بالمعلومة الميدانية والتركيز على العموميات والأرقام دون الخوض في تفاصيل القضايا الإنسانية. فقد كان الجمهور يتعطش في الحروب لأخبار الميدان أكثر من أي شيء آخر منعت سلطات الاحتلال الصحافة العالمية والعربية من دخول الميدان وانفردت هي عن طريق ضباط الإعلام الحربي بمعلومات الميدان. كما حاول الجيش الإسرائيلي وبشكل مقصود أن يكون المصدر الوحيد لما يحدث في الميدان، مشيرا إلى أن صورة المجريات على الأرض تم بثها دون التفاصيل التي تنقل الأحاسيس والمشاعر، فتحولت الحرب إلى أرقام وليس إلى قصص إنسانية وحكايات تدمي القلوب. وقد أصدر الجيش الاسرائيلي قرارا بعدم دخول أيا من وسائل الاعلام إلى مواقع الاحداث ، وألا تتم أية عملية تسريب للاخبار من الداخل، هو ما يعد تاثرا بما جرى في حرب لبنان "يوليو2006" التي تمكن فيها حزب الله من الوقوف على حالة القوات الاسرائيلية من حلال وسائل الاعلام وغيرها من المصادر الأخرى ، وقام بتحليها وقد تمكن من معرفة أدق التفاصيل الخاصة بالقوات الاسرائيلية. ولكن الحال في حرب غزة قد تغير ، حيث باتت مصادر الاخبار لوسائل الاعلام هم أهل غزة.
وقد تعرضت المذيعة المذيعة التلفزيونية الإسرائيلية الشابة "يونيت ليفي" لحملة تحريض دموية بسبب جملة قالتها خلال البث أبدت فيها شيئا من التعاطف مع ضحايا العدوان الإسرائيلي من النساء والأطفال الفلسطينيات في قطاع غزة. حيث وقع أكثر من 30 ألف مواطن على عريضة تطالب بمعاقبتها وإقالتها من العمل. الجملة التي قالتها، في الأيام الأولى من العدوان، هي: «من الصعب أن نقنع العالم بعدالة موقفنا في هذه الحرب عندما يكون عدد القتلى الفلسطينيين 350 مقابل قتيل إسرائيلي واحد». ويقال إن بعض المشاهدين لاحظوا أنها أنزلت دمعة وهي تعرض صور الأطفال الفلسطينيين الممزقة أجسادهم من جراء الغارات الإسرائيلية.[10]
وقد مارس الاعلام الاسرائيلي قبل بدء العمليات العسكرية حملة واسعة حيث كرس كل قواه للتحريض من خلال ما كتبه عن عجز حكومة إيهود أولمرت ومطالبة وزير الحرب إيهود باراك بأحد خيارين: إما الهجوم على غزة أو الاستقالة. ففي أحد أعدادها حَملت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية عنوانا عريضا ملفتا على صفحتها الأولى يقول: "وزراء ضد باراك.. رد على غزة"، وعنوان آخر: "خائفون من حماس"، وهو ما يمكن أن يشكل نوعا من الاستفزاز.
في المقابل، تنشر صحيفة "هاآرتس" (التي يعدها كثيرون ذات موضوعية كبيرة) موضوعا آخر يحمل عنوانا يقول: "في غزة مستعدون للحرب"، وهو ما يصور للجمهور الإسرائيلي أن غزة دولة قوية تستعد للحرب بامتلاكها أسلحة قادرة، ويجب محاربتها.



حتى على صعيد رسوم الكاريكاتير كان هناك نوع من التوجيه الاستهزائي لقدرات الجيش، فقد حملت بعض هذه الرسوم صورة لمقاومين من حماس يطلقون صواريخ على إسرائيل، ويقول أحد المطلقين لزميله الآخر: "ألا تعتبر أنها مهينة بأن لا يرد علينا الجيش الإسرائيلي؟"[11].
وفي الوقت نفسه فقد مارس الإعلام الاسرائيلي نوعا من الإرهاب علي السياسيين من خلال تصويره كضحية، فالعنوان الرئيسي الذي حملته صحيفة "الأسبوع" الإسرائيلية قبل بدء العدوان على القطاع يقول: "واحد من كل ثمانية إسرائيليين تحت مدى الصواريخ"، وإلى جانب هذا الخبر خرائط تبين مدى الصواريخ التي قد تنطلق من القطاع باتجاه إسرائيل.[12] وقد اعتادت الجيش الاسرائيلي اختراق تردد قناة الاقصى الفضائية التابعة لحركة حماس ، كما كان يبث مواد دعائية ضد الحركة. وكانت إحدى هذه المواد الدعائية تهاجم قيادات حركة حماس وتحديداً الدكتور محمود الزهار وتخلع عليه الكثير من الصفات السلبية، وتتهمه بالجبن والاختفاء عن الأنظار في الوقت الذي تتعرض فيه غزة للقصف. وفي محاولة لكسر الروح المعنوية لمشاهدي الفضائية التي تفترض إسرائيل أنهم من أنصار حركة حماس، تعرض إحدى المواد الدعائية صورة كرتونية لمقاتل من كتائب القسام ـ الجناح العسكري لحماس، وهو يرتجف خوفاً ويفر من ساحة المعركة. في نفس الوقت يقوم الجيش الإسرائيلي مستغلاً تفوقه التقني باختراق بث إذاعة «صوت الأقصى»، التابعة حماس، ويبث مواد دعائية أخرى تصف فيها الحركة بالارهابية وانها حركة لا تعنيها مصلحة الشعب الفلسطيني، وهي أداة في يد إيران وعدوة للسلام، وغيرها من الاتهامات. وإلى جانب اختراق بث فضائية «الأقصى» وإذاعة «صوت الأقصى»، قام الجيش الإسرائيلي بإنزال عشرات الآلاف من المنشورات والبيانات باللغة العربية على التجمعات السكانية الفلسطينية خاصة تلك المناطق التي تشهد مواجهات، وتحديداً بلدتي بيت لاهيا وبيت حانون، ومخيم جباليا شمال غزة، والضواحي الشرقية والجنوبية من مدينة غزة وقرية المغراقة، ومدينة رفح، تدعو فيها الجماهير لعدم التعاون مع حماس وعدم تقديم المساعدة لمقاتليها وعدم ايوائهم. ويدعي احد هذه المنشورات أن حماس هي الطرف الذي يقف حائلاً امام تحقيق السلام في المنطقة، وهو الطرف الذي يمنع الفلسطينيين في قطاع غزة من العيش في ازدهار اقتصادي. في نفس الوقت فإن إسرائيل تستخدم وسائل اعلامها الرسمية الناطقة باللغة العربية التي يتم التقاطها في الضفة الغربية وقطاع غزة وبعض الدول العربية في محاولة تشويه حماس.[13]
وقد شهدت التغطية الاعلامية الاسرائيلية تحولا نتيجة أن من سيطرة على تلك التغطية هي الوسائل الرسمية الاسرائيلية المملوكة للدولة، ممثلة في ثلاث قنوات تلفزيونية، هي «القناة الأولى»، وهي القناة الرسمية الممولة من أموال الشعب بضريبة، وفسحة الحرية فيها واسعة لكنها تظل رسمية. و«القناة العاشرة» و«القناة الثانية»، وهما قناتان تجاريتان فسحة الحرية فيهما أوسع. وهناك إذاعة رسمية وإذاعة للجيش وهما مثل القناة الأولى الرسمية، ومجموعة إذاعات إقليمية محلية، تابعة لشركة أخبار خاصة لكنها خاضعة للرقابة الجماهيرية.
وهناك الصحف الكبرى وهي ثلاث: «يديعوت أحرونوت» و«معريب» و«هآرتس»، الأولى تعتبر الأوسع انتشارا وهي منفتحة تضم مراسلين متنوعين، من مختلف التيارات السياسية، وكذلك الصحيفة الثانية التي كانت تعتبر يمينية ولكنها في الشهرين الأخيرين شهدت تغييرات في رئاسة التحرير أكثر انفتاحا، والصحيفة الثالثة وهي الأقل انتشارا ولكن الأكثر تأثيرا، حيث إنها الصحيفة الرصينة التي يقرؤها النخبة السياسية والاقتصادية. حيز الحرية في هذه الصحف والقنوات واسع جدا، وهي صحافة ناقدة ومقاتلة. لا تتردد في محاربة فساد رئيس حكومة أو رئيس دولة أو وزير. وتتسبب في إقالة حكومة، كما حصل مع حكومة إيهود أولمرت (فالصحافة هي التي كشفت فضائح الفساد وهي التي هاجمت الحكومة على قصورات حرب لبنان)، وتطيح برئيس أركان الجيش (كما حصل مع دان حالوتس) ووزير دفاع (عمير بيرتس) وحبس وزير (وزير داخلية ،أريه درعي ووزير مالية، ابرهام هيشنزون، ووزير صحة، شلومو بن عزري).















الاعلام العربي والحرب على غزة
يمكن النظر إلى واقع الإعلامي العربي من خلال تقسيمه إلى أربعة أنواع من الإعلامات حسب مستوى التعامل مع الحرب العالمية على غزة (حرب عالمية لتواطؤ الأنظمة السياسية العالمية عليها)، وهذه الإعلامات هي: - إعلام مهتم بتغطية الحرب الصهيونية، ومتعاطف مع المقاومة.
- إعلام مهتم بتغطية الحرب، رافض لفكرة المقاومة.
- إعلام لم يهتم بالتغطية، ومتعاطف مع أهل غزة، وهذا النوع ضعيف التأثير.
- وإعلام لم يهتم بالتغطية، وغير متعاطف مع القضية، وهذا يغرد لمن خرج عن جسد الأمة.
بالنسبة للنوع الاول: المهتم بتغطية الحرب الصهيونية، والمتعاطف مع المقاومة: نجح في التغطية، لكن نجاحه في المعالجة جزئي، ويكشف عن عدم وجود إستراتيجية لـ(توظيف الحقيقة)؛ إذ إن الإعلام عن الحرب هو في جوهره "عملية حربية"، وهذا يتطلب أن تقوم هذه الوسائل -من خلال الجهود التي تبذلها لمعالجة الحدث بالتركيز على الجوانب التالية:
- إقناع الفلسطينيين بأهمية "المقاومة" في مواجهة "المشروع الصهيوني"، والمحافظة على "حقوق الفلسطينيين" في صراعهم مع الصهاينة.
- إقناع الأمة بتأييد "تيار المقاومة" ضد العدو الصهيوني، وتأييد "خيار المقاومة" في مواجهة "تيار الاستسلام" والتنازل عن الحقوق.
- إقناع المؤيدين للعدو أو المؤيدين للاستسلام للقوة العسكرية الصهيونية بعدم جدوى جهودهم وجرائمهم في كسر إرادة الأمة وتيار المقاومة والجهاد.
- إقناع العدو بعدم جدوى جهوده وقتاله وتدميره لتباين الطموح والأهداف ومعايير الكسب والخسارة بيننا وبينهم.
- ومن هنا يمكن القول أن التمادي في الركود الذي يعاني منه الاعلام العربي من هذا النوع يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية، منها:- تكريس الضعف والهوان في نفوس المسلمين خاصة الأطفال والناشئة.
- زعزعة الجبهة الداخلية في القطاع.
- الدعاية غير المباشرة لتيار الاستسلام (السلام)
- حماية الجبهة الداخلية للعدو نتيجة تجاهل وظيفة من أهم وظائف الإعلام الحربي (زعزعة الجبهات الداخلية للأعداء.
أما النوع الثاني: المهتم بتغطية الحرب والرافض لفكرة وتيار المقاومة: فهو إعلام ينقسم إلى قسمين[14]:
- الأول: إعلام تبريري: تتلخص مهمته في قصف العقول من خلال توظيف الحقائق الميدانية لإلقاء اللوم على تيار المقاومة، وتوظيف ذلك لتبرير المواقف السياسية العربية المتخاذلة، أو على أقل تقدير تبرير مواقف الحكومات التي تربطها مصالح بالوسيلة على حساب الحكومات الأخرى، وتتضح سياساته من خلال تفسيره لما يجري في غزة، واصطناع تعارض بين المواقف الإيجابية تجاهها والمصالح الوطنية الجزئية، ويغلب هذا النوع على الوسائل الإعلامية الحكومية. الثاني: إعلام انهزامي: وتتركز مهمته في قصف الإرادة وتكريس الضعف والعجز، ويغلب على معالجاته رفض فكرة المقاومة، وتحميل المقاومين والمتعاطفين معهم مسؤولية ما يجري، ولذا فهو يوظف كل ما يحدث لخدمة هذه الفكرة إلى الحد الذي يجعل بعض هذه الوسائل حاضرة في كل لحظة من لحظات الحرب، لكنها تقرأ ما يجري قراءة منتكسة! ويغلب هذا النوع على القنوات الخاصة المرتزقة من علاقتها غير المباشرة مع بعض الحكومات الفاعلة في منطقة الصراع. النوع الثالث: إعلام لم يهتم بالتغطية، ومتعاطف مع القضية الفلسطينية: وهذا حال كثير من القنوات التي لم تفهم (لعبة الإعلام)، وعزفت عن التأثير في الواقع وصناعة الأحداث وقيادة الرأي في المجتمعات التي تعمل فيها، وهذا النوع ضعيف التأثير لعدم توفر المعلومة وضعف الاستفادة منها موضوعياً وفنياً، ولعل الأحداث فرصة لمراجعة كثير من هذه الوسائل خططها وأهدافها، والعمل على الاندماج في مجموعات تتكامل لخدمة أهداف الأمة وطموحاتها، بعيداً عن الأهداف قصيرة المدى والفردية أحياناً.
- أما النوع الرابع: وإن كان البعض يتصور أنه بعيد عن الأحداث، إلاّ أنه يؤدي دوراً كبيراً في إستراتيجية التخدير وامتصاص حماس الأمة وتفريغ شحنات الغيرة والحمية الإسلامية، ولكن متى ما أدى النوع الأول مهمته بالشكل المطلوب فإن هذا النوع سيصطدم بالوعي الجماهيري في صفوف الأمة، ولن يضرنا كيدهم.





موقف الرأي العام العالمي من الحرب على غزة:
تباين من سير الاحداث السياسية والعسكرية أثناء الحرب الاسرائيلية على غزة، الموقف العالمي، حيث تباين الموقف الشعبي عن الموقف الرسمي ، فبينما وقفت الشعوب مع الجانب الاسرائيلي ، نجد الموقف الشعبي يتخذ موقفا مغايرا مفعما بالنزعة الانساني. وقد اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفا في 30 ديسمبر 2008، بعد عدة أيام من المفاوضات بين أعضائه، وخاصة بعد ثورة الغضب العالمي الناجم عن القصف الإسرائيلي ضد المدنيين في غزة. وقد اقترح الاتحاد الأوروبي في بيان رسمي، عدة حلول "للخروج" من الأزمة: وقف إطلاق النار الفوري الدائم وغير المشروط، ووقف إطلاق الصواريخ من قبل حماس ووقف الأعمال العسكرية لإسرائيل. ونص البيان على ضرورة استئناف عملية السلام المنصوص عليها في القرار 1850 الصادر عن مجلس الأمم المتحدة، وأضاف: "ليس هناك من حل عسكري لإسرائيل والفلسطينيين في غزة أو في أي مكان آخر. الحل ينبغي أن يستند إلى العملية التي اعتمدت في أنابوليس، وعلى إنشاء دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل على أن يتم التعايش بينهما في سلام وأمن. وعلى أن تتم معالجة هذا الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بشكل عملي ومتماسك، خاصة في ضوء مبادرة السلام العربية. وتشجع أوروبا المصالحة الفلسطينية التي يتبناها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وفق ما طالب به وزراء جامعة الدول العربية يوم 26 نوفمبر، كما تدعم جهود الوساطة التي تبذلها مصر والجامعة العربية حول هذا الموضوع. ويؤكد الاتحاد الأوروبي عزمه مجددا على مساعدة الأعضاء الآخرين في اللجنة الرباعية ودول المنطقة لوضع حد للعنف وإحياء عملية السلام ". وقد أرسل الاتحاد الأوروبي وفدا لهذا الغرض. أما فيما يخص اللجنة الأوروبية، فقد قررت في 4 يناير/ كانون الثاني 2009، إقرار حالة الطوارئ الإنسانية وتخصيص 3 ملايين يورو إضافية لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان المتضررين من الضربات الجوية الإسرائيلية والحصار المفروض على القطاع. وأخيرا، وعلى أساس الوقائع الموضوعية، فإننا نعلم أن الرئاسة الحالية للاتحاد، التي يقودها التشيكي فاتسلاف كلاوس، منحازة تماما للجانب الإسرائيلي.[15]
وعلى الجانب الرسمي نجد أن وزراء وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قد اعتمدوا في الثامن والتاسع من شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي نصا عنوانه: "استنتاجات مجلس الاتحاد الأوروبي حول تعزيز العلاقات الثنائية مع الشركاء المتوسطيين ورفع مستوى التعزيز مع إسرائيل"، وكان ذلك قبل الأحداث الراهنة، وتم رغم الوعود التي قطعت في قمة أنابوليس بشأن إقامة دولة فلسطينية وتلك الوعود لم ينفذ منها شيء، وهو أمر لا يفاجئ أحدا. وكان مبدأ تعزيز العلاقات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي قد تم اعتماده أوروبيا بإيعاز من الرئاسة الفرنسية. وحتى قبل قمة البحر الأبيض المتوسط حاولت باريس اعتماد هذا الإجراء لكنها اضطرت إلى التراجع نظرا لتصلب بعض الأنظمة العربية ومنها مصر.[16]
فنجد الموقف الفرنسي يشهد العديد من التباينات فمنذ السابع والعشرين ديسمبر/ كانون الأول ومع اندلاع التدخل الإسرائيلي في غزة دعا ساركوزي إلى "الوقف الفوري للهجمات الصاروخية على إسرائيل ووقف القصف الإسرائيلي لغزة." ولم يكن هذا الموقف يعني دعوة الجانبين إلى تقدير الأضرار المشتركة بينهما والناتجة عن هذه الحرب لأنه يدين "الاستفزاز غير المسؤول الذي أدى إلى هذا الوضع (أي إطلاق الصواريخ)."[17]
وفي الثالث من يناير/ كانون الثاني 2009 وفي الوقت الذي تسبب الهجوم الإسرائيلي في وفاة مئات الأشخاص نجد فرنسا "تدين الهجوم البري الإسرائيلي كما تدين استمرار إطلاق الصواريخ".[18]وخلال زيارته إلى المنطقة في مطلع يناير/ كانون الثاني2009 دعا ساركوزي لوقف العنف وإلى هدنة إنسانية –رفضها بشدة رئيس الوزراء الإسرائيلي- وجدد اتهامه لحماس بأنها تصرفت تصرفا "غير مسؤول ولا يمكن غفرانه". ومن المسلم به أن فرنسا تقوم إلى جانب مصر بمحاولة للتوصل لوقف لإطلاق النار، ولكنها في الوقت الذي تحمل حركة حماس مسؤولية ما يحدث فإنها تشجع التطرف الإسرائيلي. وأثناء مناقشة مجلس الأمن لاعتماد لقرار (تم التصويت عليه في الثامن من يناير) فإن فرنسا التي ترأس المجلس حاولت الاعتراض على نص القرار مفضلة بيانا بسيطا. وحينما وجدت فرنسا نفسها معزولة لم يكن في استطاعتها غير التصويت لصالح قرار أعد الجزء الأكبر منه من جانب البريطانيين والأميركيين.
وبالنسبة للموقف التركي فإنه يقوم على الموازنة بين المعطيات الإقليمية والدولية في آن واحد وكذلك الوضع الداخي حيث يؤمن أردوغان بضرورة ترتيب البيت داخليا قبل التفكير بأي دور إقليمي خاصة إذا كان بهذه الأهمية الإستراتيجية بالنسبة لمستقبل الجغرافيا التي بدون أقناع العرب بكل ميولهم واتجاهاتهم الدينية والمذهبية والسياسية والفكرية والاجتماعية فالحظ لن يحالف أردوغان في تحقيق أي من أهدافه حتى لو أختار طريق أتاتورك الذي أقام الجمهورية الحديثة عام 1923 على أنقاض الدولة العثمانية قائلا إن هدف هذه الجمهورية هو الحضارة الغربية المعاصرة التي جعلت بدون شك من أردوغان ورفاقه بل والإسلام التركي يختلفون كثيرا عما هو عليه أمثالهم في العالم العربي الذي إن لم يقتنع مثقفوه وساسته بأهمية الدور التركي الجديد في المنطقة فالحظ لن يحالفهم بعد الآن في حل أي من مشاكلهم هذا بالطبع إن بقي هناك من يريد حل هذه المشاكل بكل صدق وأيمان. فقد وضعت دعوات المعارضة لقطع العلاقات مع تل أبيب أو تعليقها، أردوغان أمام خيارات وتحديات جديدة خاصة بعد أن اتهم تل أبيب بعدم احترام تركيا بسبب هجومها على غزة بعد أيام من زيارة رئيس الوزراء أولمرت إلى أنقرة معتبرا هذا الموقف الإسرائيلي أشارة مهمة لرفضها للسلام في المنطقة حيث سبق لتل أبيب أن سربت بداية عام 2007 المعلومات الخاصة بمساعي وزير الخارجية عبد الله غول السرية لإنقاذ الجندي الإسرائيلي المختطف من قبل حماس. كما لم يتردد أردوغان في اتهام أولمرت خلال زيارته لأنقرة في أبريل/ نيسان 2007 بالكذب فيما يتعلق بالحفريات تحت الحرم الشريف وقال له أمام الصحفيين أنه سيرسل لجنة خاصة للتأكد من صحة المعلومات الخاصة بالحفريات الإسرائيلية التي أكد ت اللجنة التركية فيما بعد صحتها.ومع كل هذا فقد مارست تركيا دبلوماسية نشطة دون أن تمنع كل هذه المعطيات المعقدة عربيا وإقليميا ودوليا أردوغان من متابعة المساعي التي بدأها منذ استلامه للسلطة مؤمنا بضرورة أن تلعب تركيا دورا مهما في مجمل تطورات المنطقة المحيطة بها في الشرق الأوسط والقوقاز وأسيا الوسطى والبلقان. و استمر التحرك التركي على جميع هذه الجبهات خلال الفترة الماضية إلى أن أثمر هذا التحرك بإقناع تل أبيب ودمشق بضرورة الوساطة التركية من أجل التوصل لاتفاق سلام سوري إسرائيلي ينعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على السلام الإسرائيلي مع الفلسطينيين ولبنان[19].
أما الموقف الايراني من الحرب فهو يختلف بعض الشيء عن موقف تركيا فإيران تعتقد أن ما تشهده المنطقة من حروب وتوترات في الآونة الأخيرة وتحديداً الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006 والحرب الأخيرة على غزة، ما هي إلا مقدمة لتحييد المنطقة والقوى الرافضة لإسرائيل تمهيداً لمواجهة إيران، باعتبارها المركز الرئيسي لكل القوى المعارضة للمشروع الأمريكي في الشرق الأوسط. وهناك بعض المؤشرات والتصريحات لبعض السياسيين الأمريكيين والإسرائيليين تؤيد وتعزز الانطباع الإيراني، منه ما صرحت به وبكل وضوح وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في بيروت بعد ثلاثة أيام من العدوان الإسرائيلي على لبنان، بأن ما تشهده المنطقة ما هو إلا ولادة عسيرة لشرق أوسط جديد، ومن ذلك أيضا تصريح الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز لإحدى الصحف الايطالية في السابع من شهر يناير/ كانون الثاني الجاري، أكد فيه أن ما تقوم به إسرائيل ضد حماس في قطاع غزة حالياً، هو الحيلولة دون فتح عين أخرى لإيران إلي جانب إسرائيل. ومن ثم يمكن القول بأن إيران كانت ولا تزال أقل نشاطاً فيما يتعلق بالجهد الدبلوماسي أو المشاركة مع الجهود القائمة مقارنة مع ما كان متوقعاً منها وذلك لأسباب موضوعية، أقلها التحالف الإستراتيجي مع القوى التي تعتبرها إيران حليفة في المعسكر الرافض للحلول الاستسلامية في الشرق الأوسط ومقارنة بما تقوم بها بعض القوى الإقليمية مثل تركيا من نشاط لافت ومؤثر.[20]
لقد تأثر الموقف العالمي من الحرب على غزة بالمواقف الشعبية التي كانت تتحرك في مسار ضاغط على الحكومات لصالح الشعب الفسطيني والحالة المأساوية التي يعاني منها تحت وابل النيران الاسرائيلية، وقد مارست الفئات الشعبية في كل العالم دورها بشكل ناجح إلى أبعد مدى. إن نجاح المظاهرات في إحداث تغيير ما في المواقف السياسية أو إنجاز ما على أرض الواقع لهو أمر مهم، يدفع إلى الاستمرار والتواصل، حيث يشعر منظموها بنجاح جهدهم؛ لذا ينبغي أن تحدد المظاهرات لنفسها أهدافًا قصيرة المدى وأخرى متوسطة، وثالثة على المدى الطويل.ومن هنا، فإن اقتران المظاهرات بواجبات عملية كتنظيم حملات مساندة بالمال أو التبرع بالدم، أو بالجهد الإعلامي، أو المقاومة الاقتصادية للعدو كالمقاطعة للبضائع الإسرائيلية والأمريكية، إضافة إلى مقاطعة الدول التي تساند إسرائيل هو أمر مهم للغاية. كذلك شعور المتظاهرين بأن مظاهراتهم أدت إلى طرد سفير أو سحب سفير، أو تجميد العلاقات مع إسرائيل هو من الثمار المرجوة لتلك المظاهرات.
وبالنسبة للموقف الخليجي فقد كان كغيره من المواقف على الساحة العالمية إذ نجد الموقف الخليجي متباين فيما بين الرسمي وغير الرسمي فعلى مستوى المواقف الخليجية الرسمية من العدوان الإسرائيلي على غزة، كان هناك إجماع على الدعوة إلى الوقف الفوري للعدوان، واعتبار إسرائيل الطرف المسئول، بصورة كاملة، عن كل ما حدث وما سيترتب عليه.وهذا ما عبّرت عنه القمة الخليجية التاسعة والعشرين، التي عقدت في العاصمة العمانية مسقط، يومي 29- 30 ديسمبر/ كانون الأول 2008، وهي قمة اعتيادية كانت مقررة، من حيث المكان والزمان، قبل نحو عام من انعقادها. وعلى الرغم من ذلك، فقد شهدت المواقف الرسمية الخليجية تبايناً في جملة من القضايا المرتبطة بالعدوان، وطرق التعامل معه، وسبل معالجة آثاره.
فقد ظهر تباين حيال فكرة القمة العربية الطارئة، وتباين آخر حول الجهة الفلسطينية التي يجب مخاطبتها، وما إذا كانت تضم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أم لا، وتباين ثالث تجاه المقاربة المصرية الخاصة بمعبر رفح الحدودي، وتباين رابع حول مبادرة السلام العربية، التي تم إقرارها في قمة بيروت في العام 2002.وما يمكن قوله خلاصة، هو أن السياسة الخليجية قد تعرضت لامتحان كان بالمقدور تجاوزه بأقل الخسائر، لو كانت آليات العمل الخليجي المشترك على غير ما هي عليه اليوم. وعلى الرغم من ذلك، لا بد من السعي لتدارك ما يمكن تداركه.
أما المواقف الشعبية في منطقة الخليج من الحرب على فيمكن الوقوف على ثلاثة عوامل دفعت باتجاه صياغة الموقف الأهلي الخليجي من العدوان الإسرائيلي على غزة، وهذه العوامل هي:
أ- خصوصية القضية الفلسطينية، أو لنقل: خصوصية مكانتها في الوجدان الشعبي الخليجي، كما العربي والإسلامي عامة.
ب – الشعور بالتواطؤ الدولي مع العدوان الإسرائيلي، من قبل أطراف يرى الخليجيون أنها وثيقة الارتباط بثرواتهم النفطية.وقد يكون هذا شعوراً سائداً لدى المواطن العربي عامة، لكنه يبدو أكثر حسية بالنسبة للناس في الخليج.
ج – رأى الخليجيون أن القدرات الجيوسياسية للخليج ( النفط والأصول المالية و متانة الروابط الدولية) لم يتم استنفادها باتجاه وقف العدوان، الأمر الذي زاد من الإحساس لديهم بضرورة الحديث بصوت مرتفع. وهنا، كانت التظاهرات ومهرجانات التضامن ظاهرة يومية، بل على مدار الساعة، لنحو ثلاثة أسابيع.وهذا المشهد قلما عاشه الخليج، بل لا يخبرنا التاريخ عن مثل هذا الزخم من الاستنفار الأهلي، حتى إبان عدوان يونيو/ حزيران 1967 وحرب أكتوبر/ تشرين 1973.
وعند الحديث عن ملامح التحرّك الأهلي الخليجي ضد العدوان، فإن أول ما ميّز هذا التحرّك هو وقوف علماء الدين، وخطباء المساجد، خلف الغالبية العظمى من فعالياته وأنشطته، بما في ذلك التظاهرات، والمهرجانات الخطابية والشعرية، وحملات التبرع العينية والمالية، والتبرع بالدم.
موقف الاعلام الخليجي من الحرب على غزة:
بالنسبة لموقف الاعلام الخليجي من الحرب على غزة فقد كان على خلاف المشهد الأهلي الموحد في موقفه من العدوان، بدت معالجة الصحافة الخليجية متباينة على نحو ملحوظ و يمكننا أن نرصد لتلك التباينات فيما يلي[21]:
1- في حجم التغطية والاهتمام، ففي حين كرست بعض الصحف الخليجية صفحاتها الأولى، وكثير من محتواها الداخلي، لتغطية مجريات العدوان، طوال أيامه، ظلت صحف أخرى على سيرتها الكلاسيكية المعتادة، ولم تحظ غزة سوى بالقليل من اهتماماتها. وهذا بالطبع ليس خياراً مهنياً بل سياسياً بامتياز.
2- أنه كان على مستوى الأداء والاحتراف. وقد جاء نتاجاً للفروق في القدرات والمهارات، وهذا أمر طبيعي على أية حال.
على الرغم من ذلك، فإن ما يمكن قوله بوجه عام هو أنه وبالرغم من بعض الحالات المضيئة، فأن الطابع العام لمحتوى التغطية الصحفية قد جاء إخبارياً عاماً، مستنداً في الغالب إلى وكالات الأنباء الدولية.وهو الأمر الذي أفقد هذه التغطية خصوصيتها، وأثر على دقتها في حالات معينة. وهذا خلل يجب تداركه، إذ ما الذي يمنع أية جريدة خليجية من اعتماد مراسلين ثابتين لها في فلسطين، واستكتاب أقلام فلسطينية تعيش الحدث.
3- في مقاربة الصحف الخليجية للعدوان الإسرائيلي على غزة، جاء على مستوى الموقف من هذا العدوان. وربما كان هذا هو التباين الوحيد الذي عنى به الجمهور الخليجي، فقد أظهرت أحداث غزة إلى السطح فرزاً سياسياً وأيديولوجياً في الساحة الخليجية، هو في الأصل لم يكن خافياً.
وعلى نحو قريب مما حدث إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان، في صيف العام 2006، أبرزت الحرب في غزة خطين متقابلين في الصحافة الخليجية: خطا طالب بدعم المقاومة الفلسطينية في تصديها للعدوان، وآخر انشغل بالهجوم على هذه المقاومة وتشويه سمعتها، معتبراً إياها سبباً للأزمة. وبطبيعة الحال، فإن الخط الأول كان هو السائد غالباً. إلا أن الخط الثاني بدا هذه المرة أكثر جرأة من أي وقت مضى. ولعل هذا هو الجديد في الأمر، أو لنقل المثير فيه. لقد وضعت الحرب الاخيرة على غزة الصحافة الخليجية أمام امتحان تاريخي، وعليها أن تكون صريحة وحاسمة في الانحياز إلى قضايا الأمة وحقوقها الثابتة، ولا يجوز لأحد التدثر بعباءة "الحرية" أو"الحداثة" ليضرب بها أمته. وإذا كان ثمة هامش للحرية فليترك للحديث عما يخدم الناس ويحقق مصالحهم





رد الفعل الفلسطيني على الحرب النفسية:
على الرغم من استخدام القوات الإسرائيلية كل ما توصلت إليه العلوم الاستراتيجية فيما يتعلق بوسائل الحرب النفسية ، إلا أن الفلسطينيين قد تمكنوا الفلسطينيون من تفويت الفرصة على الاسرائليين في الحرب النفسية ضدهم وذلك نتيجة أن هذا الأمر لم يكن بالجديد عليهم كما أن توافر عنصر الحذر المبكرمن قبل الإعلام المحلي والعربي من استخدام أساليب التضليل الإعلامي، حيث يتم التعامل بحذر مع اقتباس ما يرد على لسان الإسرائيليين ومعالجته فلسطينيا وعربيا قبل نشره وإعادة بثه.[22]
ففي مقابل الجهود التي قام بها الجانب الاسرائيلي في الحرب على غزة، في محاولة منه لإضعاف معنويات الفلسطينيين وذلك بإضعاف معنوياتهم ـ كما ذكرنا سابقا ـ فقد واجه المقاومون في غزة تلك الأمور بشي لا يقل خطورة ، وبراعة في التكتيك الذي قام به الطرف الفلسطيني. فقد واجه الفلسطينيون تلك الحرب بحالة أربكت مخططات الاسرائيليين ، الذين لم يكونو يتوقعو أن تكون درجة صمود المقاومة على ما ظهر من خلال الأحداث. فمن يراقب تصريحات القادة الاسرائيليين، يجد آثار ما قام به الفلسطينيون على الجانب النفسي، ففي محاولة وفي محاولة لرصد معنويات الجنود الاسرائيليين قامت بها الصحف الاسرائيليين خلال الهجومهم البري بقطاع غزة في إطار المرحلة الثانية من عملية (الرصاص المصهور) ، فقد وجدت تلك المحاولة انخفاض تلك المعنويات بعد كم الخسائر التي تكبدتها القوات الإسرائيلية في اليوم الأول للهجوم البري. فقد نقلت صحيفة «هاآرتس» العبرية عن بعض الجنود الإسرائيليين قولهم إنهم «تفاجأوا بمدي استعداد وإمكانيات الفصائل الفلسطينية في القطاع في اليوم الأول من العملية البرية هناك» مضيفين أن «القيادة العسكرية نقلت إلينا صورة خاطئة عن قدرات وإمكانيات الفصائل الضئيلة في القطاع وصورت لنا العملية كأنها نزهة سنخرج منها في أسرع وقت». وأضاف الجنود أن «الخسائر المستمرة في صفوف الجيش الإسرائيلي والتي وصلت إلي ثلاثين جنديا في اليوم الأول للمعركة البرية أدت إلي حالة من التخوفات إذا أخذنا في الاعتبار قدرة الفصائل علي إسقاط مزيد من الجنود خلال الأيام المقبلة» حسب قولهم. وعلي الوتيرة نفسها، أكدت صحيفة «معاريف» العبرية «انخفاض الروح المعنوية لدي الجنود الإسرائيليين وانعدام الدافع لديهم للاستمرار بالعملية البرية في القطاع» مضيفة أن «جابي إشكنازي رئيس هيئة الأركان العسكرية حاول رفع معنويات الجنود بنشر بيان ناري عن التضحية من أجل إسرائيل وأمن مواطنيها وتوقعاته بإنزال ضربة قاصمة لحركة حماس في القطاع قريبا وقام بتوزيع هذا البيان علي الجنود».
وقد أكد أمير بحبوط - المحلل السياسي لصحيفة معاريف أنه «بعد يوم واحد من بداية دخول القوات البرية الإسرائيلية للقطاع فقدت الجنود الإسرائيلية دافعهم لشن عمليات» مضيفا أن هذا يأتي في الوقت الذي «أعلنت فيه تل أبيب سقوط قتلي وجرحي وسط صفوفها العسكرية بغزة مع تدمير عدد من الآليات العسكرية والتي كان من بينها مدرعات ومروحية». وقد جاء في بيان لرئيس هيئة الاركان العسكرية الاسرائيلية نشرته جريدة معارسيف أنه: «لقد بدأ الجيش الإسرائيلي أمس في تحقيق المرحلة الثانية لعملية الرصاص المصهور والتي تهدف إلي القيام بعمليات برية في القطاع، وعلي الرغم من أننا لسنا تواقين لشن الحروب فإن هدفنا حماية مواطني إسرائيل من نساء وأطفال، شباب ومسنين، كي يحيوا في هدوء ودون أي خوف أو تهدي».
كما أضاف البيان «أعداؤنا وقعوا في الخطأ حينما ظنوا أن ضبط النفس هو ضعف منا، سنحارب الإرهاب ونوجه له ضربة قوية»، وأضاف إشكنازي في بيانه الموج للجنود: «عيون محاربي تل أبيب وقوادها في كل أنحاء إسرائيل تنظر إليكم بفخر وأمل، ويثقون في روحكم العالية وقدراتكم العسكرية».
وبالنسبة لأهم ملامح تلك الجهود التي مارسها الفلسطينيون والخاصة بالعمليات الاخيرة وتداعياتها على الجانب النفسي يمكن الإشارة إلى النقاط التالية:
أولا: فقد واجه المدافعون عن غزة إسرائيل بوحدة التنسيق الميداني الذي شمل كافة الجماعات والفصائل بما فيها حركة فتح. وحتى الجانب الإعلامي تميز بوحدة الخطاب العسكري بصورة لا تتناقض أبدا فيما بين القوى المدافعة، الأمر الذي أوقع إسرائيل في حيرة من أمرها تجاه عمليتها البرية التي بدأتها ليلة الأحد خاصة وأن الاستعدادات العسكرية لدى القوى المدافعة متماثلة في الخطط والتنسيق بحيث يصعب تحقيق اختراق ميداني دون تكبد خسائر فادحة. فما أن بدأت العملية البرية حتى ووجهت القوات المهاجمة بمعارك ضارية، وكان تفجير بضعة عبوات في القوات المهاجمة كافيا لاعتراف إسرائيل بوقوع عشرات القتلى والجرحى في صفوف قواتها من بينهم ضابط كبير .
ثانيا: ليلة الهجوم البري، وبعد مراوغة لكسب الوقت، انعقد مجلس الأمن الدولي لإصدار بيان رئاسي يدعو لوقف إطلاق النار، وبدت إسرائيل مهتمة بالجانب السياسي لدرجة أن وزيرة الخارجية تسيفي ليفني تحدثت عن نجاحها في إفشال المشروع العربي. فالقيادات السياسية المطالبة بوقف العدوان لم تضع مجلس الأمن بالذات في حساباتها، إذ أن القرار الحقيقي الذي أجمعت عليه القوى الفلسطينية، لأول مرة في تاريخ المقاومة، قضى بعدم تفويت الفرصة في جر إسرائيل إلى معركة برية بأية وسيلة كانت حتى ولو باستفزازها وهو ما ألمح إليه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي حين حذر حماس من استفزاز إسرائيل. والثابت أننا رصدنا تصريحات متكررة من هذا النوع لدى قادة المقاومة منذ بدء الحرب على غزة . وترافقت هذه التصريحات مع أخرى تتحدث عن مفاجئات عسكرية. والآن بات واضحا أن إجمالي التصريحات لم تكن ترغب في أي تدخل دولي بقدر ما بدت وكأنها تلح على إسرائيل في التعجيل بالاجتياح البري لغزة. فهل نجحت إسرائيل؟ أم أنها ابتلعت الطعم بصورة غير مسبوقة. ثالثا: بدأ هجوم القوات الإسرائيلية على غزة عبر ثلاثة محاور ما لبث أن توسع إلى خمسة فضلا عن جبهة الساحل البحري. لكنها تكبدت أولى خسائرها في نصف الساعة الأولى من الهجوم، وفي خط الدفاع الأول عن قطاع غزة.وإذا رغبت إسرائيل في مواصلة هجومها فعليها اجتياز 3 – 5 خطوط دفاعية على الأقل كي تقع في النهاية في حرب مدن ذات كثافة سكانية عالية جدا خاصة في منطقة خانيونس جنوبا. ولأن جميع هذه الخطوط تمثل أفخاخ وأشراك خداعية مرعبة فعليها أن تتوقع كوارث في حجم الإصابات. وإزاء هذا الحال تبدو القوى المدافعة أكثر رغبة في المواجهة من القوات المهاجمة فضلا عن الأولى تفكر في النصر فيما تفكر الثانية باحتمالات فشل عالية.
رابعا: وقوع إسرائيل بين مطرقة المدافعين عن غزة وسندان الحرب النفسية جعلها تتلكأ في التقدم وتتحدث عن طول أمد المعارك البرية، ولعل البطء الشديد في تقدم قواتها يمثل أحد أقوى النتائج الأولية على الورطة التي وقعت فيها. وثمة مؤشرات كثيرة تدعم هذا التوجه. فقد أعلنت عن فقدانها الاتصال مع بعض جنودها، وتكتمت بشدة على سير العمليات ونتائجها، وامتنعت عن إعلان خسائرها إلا بما تفرضه فضائح اختراق المقاومة لأجهزة اتصالاتها، وكذلك تصريحات لبعض قادتها عن مواجهة قواتهم لمقاتلين يختلفون عن أولئك الذين واجهتهم خلال حرب تموز سنة 2006 مع حزب الله اللبناني.لا ريب أن مشكلة إسرائيل في هذه الحرب عويصة م. أما آخر هذه الدول والتي لم يكن يتوقع منها الاحتلال هذه المقاومة الإعلامية فلسطين وخاصة بقطاع غزة والتي جسدتها المقاومة الفلسطينية باختراق إعلام العدو وبث عملياتها العسكرية عبر القنوات الاسرائيليه لتأكد مصداقيتها مع شعبها وتأكد مدى كذب الصحافة الاسرائيليه والناطق الإعلامي لجيش الدفاع الصهيوني.ن الناحية النفسية[23].

الخاتمة:
لقد تابعنا الإعلام العربي والعالمي ولاحظنا أنه كثيرا ما يلجأ الإعلام الرسمي إلى التشكيك في جدوى المقاومة لصرف الناس عن التعاطف معها؛ لذا استعمل المنظمون للتظاهرات الشعبية "رسائل تحصينية" تفند دعاوى الإعلام الرسمي وتشجع الآخرين على عدم الاستجابة لهذه الدعاوى. وكان مما جاء في بعض هذه الرسائل:
- أن المقاومة هي طريق التحرير، وأنها عمل مشروع تؤيده كل الشرائع والمواثيق الدينية والدولية. والاحتلال -مهما طال- فهو إلى زوال، إذ إن كل تجارب الاحتلال السابقة قد انتهت إلى فشل واندحار.
- أن المقاومة لكي تنجح وتحقق أهدافها، لابد لها من إسناد سياسي وإعلامي، وهذا الإسناد هو في حد ذاته مشاركة في مقاومة الاحتلال.
- أن بعض وسائل الإعلام الرسمية تحاول التغطية على تخاذل الأنظمة باتهام حماس بأنها التي أعطت العدو الصهيوني الذريعة كي يجتاح غزة، ويهدم، ويقتل، ويدمر، وتحاول هذه الوسائل الإعلامية إغفال أن الاحتلال الصهيوني لا يحتاج إلى ذرائع كي يرتكب جرائمه، فقرار العدوان على غزة تم اتخاذه منذ سنتين، كما أشارت بعض التقارير الإسرائيلية. وأنه لم يكن هناك ذريعة عندما ارتكبت العصابات الإسرائيلية مذابح دير ياسين، وكفر قاسم، وهجرت أهالي عشرات القرى الفلسطينية في عام 1948، ولم تكن هناك ذريعة استغلها الاحتلال كي يرتكب مذابح صابرا وشاتيلا وقانا والحرم الإبراهيمي وجنين وغيرها من المذابح.
- أن الاحتلال أراد قتل أهالي غزة بالبطيء عبر حصار امتد ثمانية عشر شهرًا، فلما فشل في ذلك أراد قتلهم سريعًا بآلة الحرب الإجرامية.
- أن تجارب الاحتلال في كل بلدان العالم قد واجهتها مقاومة تختلف في القوة والتضحية من مكان لآخر، إلا أن التاريخ يؤكد أن كل تجارب الاحتلال انتهت إلى زوال بفعل المقاومة، وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة.
- أن المشككين في قدرة المقاومة بحجة فقدان التكافؤ بينها وبين الترسانة العسكرية للاحتلال، نسوا أو تناسوا أن تجارب الاستعمار قديمًا وحديثًا، تدلنا أنه لم يكن في يوم من الأيام تكافؤ بين دولة الاحتلال والمقاومة التي تتصدى لها.
- أن البعض يحاول أن يبث الإحباط واليأس من كثرة أعداد الضحايا والدماء التي تراق اليوم على أرض غزة، ونسي هؤلاء أن التضحية هي طريق التحرير، كما هي النماذج الكثيرة وأقربها جغرافيًا تجربة الشعب الجزائري الذي قدم مليونًا ونصف مليون شهيد في مقاومته للاحتلال الفرنسي، ولم ييأس من استمرار المقاومة وبذل التضحية حتى حصل على حريته، وتذكر صفحات المقاومة الجزائرية أن بعض المذابح التي كان يرتكبها الاحتلال الفرنسي كانت تصل ضحاياها إلى آلاف الشهداء، ومنها مذبحة سطيف التي راح ضحيتها على سبيل المثال 45 ألف شهيد عام 1945م.
- أن الأفضل أن لا نذهب بعيدا في ضرب الأمثلة وأمامنا الثكالى والأرامل وآباء وأمهات الشهداء في غزة، وهم يضربون لنا أروع الأمثلة في الصبر والصمود، ونحن كذلك يوميًا عشرات الفلسطينيين الذين يعودون إلى غزة عبر معبر رفح رغم المذابح التي يتعرض لها أهلوهم هناك.

[1] - صلاح نصر، الحرب النفسية : معركة الكلمة والمعتقد، الجزء الأول، دار القاهرة ، للطباعة والنشر، القاهرة ، 1966، صـ 23
[2] - المرجع السابق ، صـ 28
[3] - ويكيبيدا الموسوعة الحرة، www.wekebedia.com
[4] - المرجع السابق، صـ 68
[5] - www.islamonline.com
[6] - صلاح نصر، الحرب النفسية ، معركة الكلمة والعتقد ، مرجع سبق ذكره، ص 124
[7] - عايدة النجار، حقائق: الحرب النفسية في حرب غزة، جريدة الدستور الاردنية، 6/1/2009. http://www.addustour.com/Default.aspx

[8] - www.aljazeera.net
[9] - http://www.qudspress.com/
[10] - http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=37&article=502893&feature=1&issueno=11006
[11] - جريدة الإسبوع المصرية ، 18/1/2009
[12] ttp://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1230650188503&pagename
[13] - جريدة الشرق الأوسط 13/1/
[14] - http://www.dd-sunnah.net/news/view/action/view/id/767/
[15] - سامي ناير ، تعامل الاتحاد الأوروبي مع الحرب على غزة إسلام أون لاين ، www.islamonline.net
[16] - http://www.aljazeera.net/NR/exeres/52308255-7272-46FC-ACDE-87709DBBAB81.htm
[17] - جريدة الاهرام المصرية، 29/12/2008
[18] - جريدة الحياة اللندنية، 3/1/2009
[19] - http://www.aljazeera.net
[20] - http://www.aljazeera.net/NR/exeres/52308255-7272-46FC-ACDE-87709DBBAB81.htm
[21] - عبد الجليل زيد المرهون، الموقف الخليجي من الحرب على غزة، موقع إسلام أون لاين، http://www.aljazeera.net/NR/exeres/527D6177-3049-4E4C-B32F-489485629A78.htm
[22] - http://www.aljazeera.net/NR/exeres/ACED2017-1E44-4FD2-84C3-54DC14F9E304.htm
[23] - www.bbcarabi.com

No comments:

Post a Comment